مقالات/حضارة المقر .. أحجار تحكي لنا عن حياة مضت قبل آلاف السنين

حضارة المقر .. أحجار تحكي لنا عن حياة مضت قبل آلاف السنين

Al-Magar: Telling millennia-old stories

١١ فبراير ٢٠٢٠

Source

المصدر: عبير العمودي

تعددت الروايات والأساطير حول أحداث مرت بالجزيرة العربية، إلا أن بعضها حقيقة وواقع أثبتتها الآثار والأحجار التي لا زالت موجودة حتى يومنا الحالي في الجزيرة العربية رغم مرور آلاف السنين.

ومن أعظم وأعتق هذه القصص التي رويت كانت عن استئناس الخيول والحيوانات عموماً، إذ تزخر حضارة المقر التي تقع في منطقة متوسطة بين محافظة تثليث ومحافظة وادي الدواسر، بالكثير من التماثيل والآثار التي تعود إلى 9000 سنة مضت.

ويتميز موقع حضارة المقر بوجود وادياً كان في الأصل نهراً جارياً ينحدر باتجاه الغرب ليشكل شلالاً كبيراً يصب في الأراضي المنخفضة الواقعة إلى الغرب من الموقع، وهو ما يدل على أن الإنسان قد عاش في هذه المنطقة قبل أن تصبح صحراء قاحلة، وكان سكان المنطقة في العصر الحجري الحديث يعتمدون على الزراعة وتربية الحيوانات، وهو ما أثبتته الآثار المكتشفة والمتنوعة من الأدوات الحجرية التي شملت أيضاً رؤوس السهام والمكاشط الدقيقة الصنع.

وكشفت الآثار المكونة من مجموعة من تماثيل الحيوانات قدرة الإنسان على استئناسها واستخدام بعضها الآخر في نشاطاته وحياته اليومية، ومن هذه الحيوانات الخيل والضأن والماعز والنعام، والكلب السلوقي، والصقر، وأكدت وجودها نتائج تحليل المواد العضوية التي وجدت بالموقع إذ تم أخذ مجموعة من العينات من طبقات الموقع الأثرية، وتم تحليلها لمعرفة تواريخها، وجاءت العينات في بداية الألف التاسع قبل الوقت الحاضر.

تجارب بشرية قديمة 

تميزت حضارة المقر التي تحتضنها الجزيرة العربية بوجود العديد من الآثار القديمة جداً. وميزها أكثر وجود مواقع أخرى أقدم تاريخاً، ويمكن نسبتها إلى العصر الحجري الوسيط.

ولكم أن تذهبوا بخيالكم لتلك المنطقة وتعودوا لآلاف السنين للوراء وتشاهدوا كيف سبق سكان موقع المقر في استئناس الخيول وتجسيدهم ذلك عبر التماثيل الضخمة للخيل الموجودة على سطح المنطقة، حيث كشفت آخر الدراسات أن استئناس الخيل كان لأول مرة في أواسط آسيا في (كازاخستان) تحديداً قبل 5500 سنة، بينما حضارة المقر استئناسها قبل ذلك بأربع آلاف سنة وفي قلب الجزيرة العربية.

آثار نادرة وأحجار تاريخية 

احتضن موقع المقر بعضاً من بقايا تماثيل الخيل والتي عكست ملامحها مواصفات الخيل العربية الأصيلة إذ يبدو ذلك واضحاً في طول الرقبة وشكل الرأس، ولم يعثر من قبل على تماثيل حيوانات بهذا الحجم في أي موقع آخر في العالم، ويوجد على رأس تمثال الخيل نحت واضح للجام الذي يلف رأس الخيل، مما يثبت على استئناس الخيل من قبل سكان هذا الموقع في تلك الفترة المبكرة، ويبدو أن هذه التماثيل كانت مثبتة في بناء يتوسط الموقع على الضفة الجنوبية للنهر قبل مصبه في الشلال، وربما كان لهذا البناء دور رئيس في الحياة الاجتماعية لسكان الموقع.


أحجار تحكي عن حياة مضت قبل آلاف السنين 

نتساءل أحياناً كيف كانت معيشة من سبقونا؟ وعندما نشاهد هذه الآثار نتأكد بأنها شهدت الكثير من الأحداث التي جمعت ما بين قصص السعادة والألم، والتي ضمتها حُجرات متنوعة وموزعة في تكوين جبلي يشرف على الأراضي المنخفضة، وكذلك الكهوف والمقابر التي عثر في بعضها على هياكل عظمية بشرية مدفونة بعضها مغطى بطبقة من الطين والقش، في أسلوب أشبه بالتحنيط الذي يجعل الهيكل العظمي متماسكاً.

 بعض الأدوات تؤكد وجود مهارة حرفية متقدمة

الأدوات الحجرية ورؤوس السهام، والمساحن التي استخدمت في سحق الحبوب، والنجر الحجري، وبكرات للغزل والنسيج، وجزء من إناء حجر صابوني يحمل زخرفة هندسية بالحز، وأدوات حجرية لمعالجة الجلود، بالإضافة إلى اكتشاف خنجر عربي مصنوع من الحجر كالذي يستخدم اليوم في الجزيرة العربية، ويعد أحد رموز الحضارة العربية. كما نقش على الصخور رسوم صخرية تروي قصة فارس يمتطي صهوة جواده وأخرى لصيد الوعول بالكلاب السلوقية. كما وجدت رسوم صخرية أخرى لخيول وأشكال آدمية على ألواح حجرية بين أنقاض المبنى الرئيس الذي يتوسط الموقع.