مقالات/"القط العسيري" الفن النسائي الذي أبهر العالم

"القط العسيري" الفن النسائي الذي أبهر العالم

Al-Qatt Al-Asiri – a treasured art form of the South

٢٤ ديسمبر ٢٠١٩

Source

المصدر: آلاء البحراني

"القط"، فن تراثي أبدعته أيادٍ نسائية، وأبهر العالم بدقة رسوماته الجدارية، وزخرفاته الهندسية، وألوانه المستمدة من الطبيعة العسيرية الخلابة. وكان من أوائل من سلط الضوء عليه الأكاديمي الفرنسي "تييري موجيه"، وكتب عنه في كتابه "الجزيرة العربية حديقة الرسامين"، فعلق عليه بقوله: "هذه التصاميم الخارجية ليست إلا غلافاً يُخفي في داخله مهرجاناً من التصاميم متعددة الألوان يغطي الجدران والسقوف والأبواب، وكأن بيوت عسير تلتهم الألوان بنهم".

ورغم أنه لا يُعرف تاريخ محدد لبداية هذا الفن، إلا أنه لاقى رواجاً محلياً وعالمياً، إذ عُرضت جدارية لـ"القط" عام 2015 في مبنى الأمم المتحدة بنيويورك، وهي تحفة فنية بطول 18 متر، نفذتها 12 سيدة من منطقة عسير بعنوان "منزل أمهاتنا". كما أُدرج "فن القط" ضمن قائمة التراث غير المادي في اليونيسكو عام 2017.

ما هو "فن القط"

تعني كلمة "قط" في المعاجم العربية "خط" أو "نحت" أو "قطع"، واشتقت منه كلمتي "القطاطة"، وهي الفنانة الشعبية التي تقوم بعمل هذا الفن و"التقطيط" وهو صناعة الرسم والنقش. ويعد هذا الفن العسيري القديم مهمة نسائية، ففي الوقت الذي كان الرجال يعملون على بناء البيوت وصيانها من الخارج، كانت النساء تعكف على زخرفة المنازل من الداخل، وتقطيط المجالس من خلال رسم أشكال وزخارف متناسقة على الجدران الداخلية. وتستوحي هذه الرسومات أبعادها ودلالاتها من الثقافة المحيطة وتُلون النساء المجالس بألوان مستخلصة من الطبيعة.

أصل ألوان فن القط وزخارفه

يبدأ التقطيط بتجهيز الجدار عن طريق صُنع بودرة من طبقات الجبس يضاف إليها الصمغ، ليتكون خليط يضفي على الجدران مظهراً لامعاً فيسهل تلوين هذه الطبقة. ولتجهيز الألوان تقوم النساء بطحن المواد الملونة المستخرجة من الطبيعة حتى تصبح مسحوقاً ناعماً على رحى من الحجر ليذوب المسحوق ويتم مزجه بعد ذلك بالصمغ، ما يعطيها لُزوجة لتصبح أكثر تماسكاً فيثبت اللون بسهولة. وتتنوع الألوان المستخدمة لتشمل الأحمر (حجر المشقة)، والأصفر (الكركم)، والأسود (الفحم)، والأخضر (البرسيم)، وأُضيف اللون الأزرق لاحقاً بعد أن جلبه التجار إلى المنطقة. وتَخُط السيدات الأشكال باستخدام ريشة مصنوعة من ذيل الماعز.

أما عن الزخارف والنقوش، فقد اتخذت عدة دلالات ومعاني، فالخطوط الأفقية تدل على السكون والثبات، والخطوط المنحنية تدل على الحيوية والمرونة. وتعكس النقوش دلالات معينة ومنها "الأرياش" التي تدل عن العلاقة بين الأنثى والنبات، و"المحاريب" التي ترمز إلى الجانب الديني الذي يعتز به المجتمع العسيري. كما تُشير الدراسات إلى أن الأنماط الزخرفية تختلف بحسب القرى والمواقع الجغرافية لمنطقة عسير.

ولا يزال فن "القط" محفوظاً في ذاكرة المجتمع العسيري من خلال اللوحات الجدارية التي انتقلت من المنازل العسيرية إلى أهم الفنادق والأماكن السياحية. كما يرمز هذا الفن إلى الترابط الاجتماعي والتضامن قديماً، حيث كان الرجال عند انتهائهم من بناء المنازل وصيانتها تجتمع السيدات الحي لإنهاء تزيين المنزل من الداخل عن طريق رسم ونقش جداريات القط.

من القطاطات اللواتي اشتهرن بهذا الفن، الفنانة الشعبية الراحلة فاطمة أبو قحاص، التي كانت تُعد مدرسة في فن القط وظلت تمارسه باحترافية طوال 70 عاماً. وعملت أبو قحاص على تزيين الكثير من الأماكن السياحية كحصن رازح، وحصن آل علوان، كما صممت جدارية كبيرة معلقة في فندق أبها الفاخر.

وتم اختيار أبو قحاص كأشهر شخصية تراثية في مهرجان الجنادرية لعام 2007. ولأن الإبداع يولد من رحم المعاناة، فقد أجادت الفنانة فاطمة هذا الفن بسبب ظروفها المعيشية الصعبة، حيث كان مصدر رزقها الوحيد عقب وفاة زوجها وإعالتها لأبنائها الثلاثة. الجدير بالذكر أن أبو قحاص ورثت هذه الموهبة عن والداتها وأجادتها منذ الصغر دون حصولها على أي شهادة تعليمية.