مقالات/"درب البخور" الطريق الذي تنازعت الإمبراطوريات على التحكم به

"درب البخور" الطريق الذي تنازعت الإمبراطوريات على التحكم به

Explore the historic Incense Route

١٧ مارس ٢٠٢١

المصدر: نسرين عمران

يمتد "درب البخور" -يبلغ طوله حوالي 2000 كيلومتر-  والذي ارتبط قديماً بدرب الحج، على الساحل الغربي من المملكة العربية السعودية إلى ما بعد مضيق باب المندب، وكانت الطائف جزءًا من هذا الطريق لاشتهارها منذ القدم بالورد، ولارتباط البخور أيضاً بالأماكن المقدسة.

صفة الدرب:

وفقاً للكاتبة والمؤرخة السعودية الدكتورة هند باغفار، فإن درب البخور هو الطريق الذي سلكه جيش أبرهة الحبشي في حملته المشؤومة على مكة المكرمة بداية القرون الميلادية. ويُعد شرياناً تجارياً هاماً لا سيما تجارة البخور والعطور في تلك الأزمنة، حيث تمر به القوافل التجارية من جنوب الجزيرة (اليمن) ثم نجران التي تعتبر الحلقة الأهم، ثم إلى مكة المكرمة فالمدينة المنورة وصولاً إلى بلاد الشام ناحية الشمال وكذلك منطقة الأحساء وبلاد البحرين شرقاً.

وبينت أن تجارة البخور ازدهرت في تلك الأحقاب الزمنية خاصة في مدينة "يدمة" الجنوبية بنجران ويساعدها بذلك موقعها الجغرافي المتميز، حتى أطلقوا على طريقها "السبيل" لتسبيل الطرق للقوافل والمسافرين لاسيما التجار.

سبب التسمية:

يرجع سبب تسمية هذا الدرب بـ"درب البخور" لأن بضائع التجارة التي كانت تنتقل عبر هذا الطريق من جنوب الجزيرة العربية إلى مكة المكرمة وبلاد الشام أو إلى نجد فالأحساء والبحرين، كانت تحمل البخور الفاخر ذو الجودة المشهورة في تلك العصور بكميات كبيرة، إضافة إلى اللبان والمُر.

أهمية درب البخور:

وأشارت باغفار إلى أن درب البخور يُعد مغنماً تنازعت عليه الكثير من الإمبراطوريات والتحالفات في ذلك الوقت لأهميته القصوى. حيث يعتبر البخور والعطور ذو أهمية بالغة لأماكن العبادة مثل الكنائس والمعابد، ولم يلبث أن قام عبد مناف بتأمين هذا الطريق من خلال ما سُمي بـ "الإيلاف" كما ورد في القرآن الكريم بسورة قريش قوله تعالى "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف"، مما ساعد على ازدهار التجارة في قريش وقدرتهم على توزيع بضائعهم واستيراد البضائع من الشام والعراق وبلاد فارس.

كما كان اللبان والمر سلعاً متداولة في العالم القديم، حيث كانت تستخدم لتحنيط المومياوات في مصر وإنتاج الأدوية ومستحضرات التجميل وأداء الاحتفالات الدينية في المعابد الرومانية واليهودية والكنائس المسيحية. كان الطلب قوياً لدرجة أن اللبان والمر كانا في بعض الأحيان أعلى سعراً من الذهب.

تفرعات درب البخور:

•      الطريق الجنوبي، يتجه شرقاً على طول ساحل الجزيرة العربية وصولاً الى المنطقة المنتجة للقرفة.

•      طريق ينطلق من جنوب شبه الجزيرة العربية باتجاه الشمال إلى جرهاء (قرب الهفوف حالياً) ومنها إلى وادي الرافدين.

•      طريق يخترق شبه الجزيرة العربية عرضاً، بدءاً من مكة حتى وادي الرافدين. ويتفرع هذا الطريق عند حائل إلى فرعين، أحدهما يصل إلى مصب نهر الفرات مروراً بالسِفن وفيد.

•      طريق متفرع من الطريق الرئيس الجنوبي – الشمالي قرب يثرب ومنها يتجه شمالاً عند تيماء ودومة الجندل وصولاً الى بابل.

•      طريق بري يصل أقصى شمال الجزيرة العربية بالرمادي قرب بغداد ويسير بمحاذاة نهر الفرات حتى مدينة ماري (قرب أبو كمال) ومنها يتجه غرباً إلى تدمر فحمص.

•      أما طريق البحر الأحمر فكان يربط الشرق الإفريقي بالهند وسيلان والصين وجنوب شرقي آسيا. وكانت المتاجر القادمة من هذه البلدان تصل إلى عُمان ومنها تنقل بحراً إلى مصر عن طريق البحر الأحمر. وعندما كان يتعذر نقل البضائع بحراً كانت تنقل براً من شبوة في حضرموت إلى مأرب فمكة فالبتراء ومنها إلى فلسطين فمصر.

نقوش محفورة على درب البخور:

تنتشر على درب البخور الكثير من النقوش والكتابات والرسوم التي خطها العابرون من التجار والرُحل والمسافرين باتجاه الحجاز ومن أكثر النقوش المتكررة نقوش لفارس وحصانه، ورسوم ليد تلوح وغيرها من الرسوم وكذلك عدد من الكتابات الثمودية.

درب البخور اليوم:

يُعد درب البخور اليوم معلماً سياحياً بارزاً ومهماً لزوار المنطقة الجنوبية بعد أن تم توثيقه تراثياً. وما تبقى من المدينة الآن هو أكثر من 100 مقبرة محفوظة بشكل رائع محفورة مباشرة في الوجوه الصخرية، وراسخة منذ القدم ومزينة برموز جنائزية أنبطية مستوحاة بشكل كبير من الرومان واليونانيين، وهي نتيجة مباشرة للتبادل الثقافي على طول الطريق التجاري. كما تعلم الأنباط في هندستهم المعمارية ترويض خطر الصحراء من خلال أنظمة احتجاز وتخزين المياه المصممة بشكل مثير للإعجاب والتي سمحت للمدن المتنامية بتطوير الزراعة لإطعام سكانها وكذلك المسافرين لفترة قصيرة.