مقالات/نقوش في شبه الجزيرة العربية تؤكد استئناس البشر للكلاب منذ آلاف السنيين

نقوش في شبه الجزيرة العربية تؤكد استئناس البشر للكلاب منذ آلاف السنيين

Inscriptions of domesticated dogs in the Arabian Peninsula

١٧ أبريل ٢٠٢١

المصدر: نسرين عمران

يبدو أن الصداقة بين الإنسان والكلب بدأت منذ آلاف السنين، فقد أكد المؤرخين أن الكلاب أصبحت ترافق الإنسان منذ استقراره في مكان واحد لصيد الحيوانات البرية.

وتُشير الرسومات والنقوش التاريخية التي وجدت في الكهوف والصخور في شبه الجزيرة العربية إلى جانب الآثار التي تم الكشف عنها مؤخراً بمنطقة العلا شمال السعودية أن الكلاب رافقت الإنسان منذ أكثر من 15 ألف سنة.

آثار لكلاب في مدافن العلا 

الآثار التي عثر عليها فريق من العلماء في محافظة العلا، شمال غرب المملكة العربية السعودية، تؤكد على وجود كلاب تعايشت مع البشر في شبه الجزيرة العربية، وذلك من خلال المسح الأثري الشامل والتنقيب للهيئة الملكية لمحافظة العلا.

وقد وجد الباحثون عظاماً تعود لكلب في مدفن يُعد من أقدم المدافن التي تم تحديدها في المملكة، وهي معاصرة تقريباً لتلك المدافن المكتشفة والمؤرخة في أقصى الشمال ببلاد الشام، حيث تشير الأدلة إلى أن أقدم استخدام للمدفن كان حوالي العام 4300 قبل الميلاد واستمر استخدام المدفن لفترة تزيد عن 600 عام وذلك خلال فترة العصر الحجري الحديث-النحاسي، وهو الدليل الأقدم على وجود كلاب تآلفت مع سكان المنطقة القدماء في شبه الجزيرة العربية.

عظام كلاب بجوار عظام بشرية

الفريق المكون من باحثين سعوديين وأستراليين وأوروبيين تركزت جهودهم على موقعين للدفن فوق الأرض يعود تاريخهما إلى الألفية الخامسة والرابعة قبل الميلاد ويقعان على بعد 130 كيلومتراً عن بعضهما، إذ يقع أحدهما في المرتفعات البركانية، والآخر في الأراضي الوعرة والقاحلة. وكان الموقعان فوق الأرض في فترات سابقة، وهو أمر فريد من نوعه في تاريخ شبه الجزيرة العربية.

وقد عثر الفريق على 26 قطعة من عظام كلب، إلى جانب عظام 11 شخصاً، ستة بالغين ومراهق وأربعة أطفال، وذلك في الموقع الأول في المرتفعات البركانية، "ويبدوا أن لمثل هذا الكائن الحي أهمية كبيرة في حياة مالكه لدرجة أنه عند الوفاة تم دفنه معه".

وبعد تجميع العظام لاحظ الفريق على عظام الكلب ظهور علامات التهاب المفاصل، ما يشير إلى أن الكائن الحي عاش مع البشر حتى منتصف العمر أو الشيخوخة.

وتمكنت عالمة آثار الحيوان في الفريق لورا سترولين، من إثبات أنه كان بالفعل كلباً من خلال تحليل عظمة واحدة على وجه الخصوص، من الرجل الأمامية اليسرى للحيوان. حيث كان عرض هذه العظمة 21.0 مم، وهو في نطاق أحجام كلاب الشرق الأوسط القديمة الأخرى. وبالمقارنة، كان عرض نفس العظمة في الذئاب في ذلك الزمان والمكان من 24.7 إلى 26 مم.

ولقد تم تأريخ عظام الكلب للفترة ما بين 4200 عام إلى 4000 قبل الميلاد. كما وتشير الفنون الصخرية الموجودة في المنطقة إلى أن سكان العصر الحجري الحديث استخدموا الكلاب في صيد الوعل والحمير البرية والحيوانات الأخرى.

كما اكتشف الفريق الميداني أيضاً قطعاً أثرية أخرى بارزة، منها قلادة على شكل ورقة شجر في موقع المرتفعات البركانية وخرزة في موقع الأراضي الوعرة القاحلة.

ويتوقع الباحثون مزيداً من النتائج في المستقبل نتيجة للمسح الشامل لمنطقة العلا ضمن مشروع المسح الجوي الأثري في العلا، الذي تقوم به الهيئة الملكية لمحافظة العلا، بالشراكة مع باحثين من جامعة ويسترن أستراليا في بيرث، وباحثون سعوديون.

ويرى الباحثون أن العلا تعد منطقة غير مستكشفة إلى حد كبير وتقع في جزء من العالم يحتوي على مخزون أثري وافر، ذي قيمة علمية مرموقة.

نقوش على جدران الكهوف

تعد النقوش والرسوم التي وجدت على جدران الكهوف في شبه الجزيرة العربية، من أقدم الأدلة الوثائقية على الصداقة التي كانت تربط بين الكلب والإنسان. ويبلغ عمر تلك الرسومات 8 آلاف عام على أقل تقدير.

وكان فريق دولي يضم علماء ألمان وأمريكيين وسعوديين قد درسوا الرسومات الصخرية المنقوشة على جدران الكهوف في شبه الجزيرة العربية، على مدى 3 أعوام، وتوصلوا إلى أن تلك النقوش العجيبة ليست سوى دليل على استخدام الإنسان القديم في شبه الجزيرة العربية كلابا في الصيد، على حد تعبير الباحثة في المتحف القومي الأمريكي لدى معهد سميدثون ميلندا زادر.

نوع واحد من الكلاب

وما يلفت الأنظار هو أن الكلاب المرسومة كلها ذات مقاييس واحدة تقريبا، وجاءت بوجوه قصيرة وذيول ملتوية. ويرى العلماء أن هذا يعني انتماء الكلاب إلى نوع واحد.

أما الرسوم نفسها فتتميز بتنوعها، حيث يُظهر بعضها كلباً واقفاً إلى جانب حمار، ويعض بعضها الآخر رقاب الحيوانات البرية وبطونها. كما تُظهر رسوم أخرى مجموعات صغيرة من الكلاب المستعدة للهجوم، ورسوم أخرى تظهر كلاباً مربوطة بالإنسان المسلح بالقوس والأسهم.

كلب "السلوقي" من أقدم السلالات في شبه الجزيرة العربية 

ارتبط الصيد بمسيرة البشر فقد مارسه الإنسان في رحلته وصراعه من أجل البقاء، ومن الكلاب التي استخدمها منذ آلاف السنين كلب "السلوقي" والذي تعتبر شبه الجزيرة العربية الموطن الأصلي لهذه السلالة

وتعد سلالة كلاب السلوقي العربية من أقدم سلالات الكلاب المستأنسة في العالم والتي يمكن تتبعها من خلال الرجوع إلى أكثر من 11 ألف عام مضت.

وتتصف كلاب السلوقي بالرشاقة والذكاء والقدرة على التحمل والوفاء لأصحابها، وتنتمي هذه السلالة إلى الحيوانات البرية التي تصطاد بحاسة البصر بدلا من حاسة الشم.

أصل التسمية 

ترجع تسمية كلاب السلوقي كما ذكر الباحثين والمهتمين إلى "اليمن" كما ذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان أن "سلوق" هي مدينة يُنسب إليها الكلاب السلوقية، وأشار ابن الحايك الهمداني إلى أن "سلوق" كانت مدينة عظيمة في أرض اليمن وهناك من يرجع التسمية إلى قبيلة بني سلوق اليمنية.

ولو تتبعنا تاريخ كلاب السلوقي في بلاد ما بين النهرين فإنه يعود إلى الفترة من 7000 إلى 5000 سنة قبل الميلاد.

وقام العرب بترويض وتربية كلب السلوقي منذ آلاف السنين ومنحوها قدراً كبيرًا من الاهتمام والرعاية لقدرتها على العيش في مناخ الصحراء القاسي إلى جانب ذكائها وولائها لأصحابها، وكانت تستخدم أساساً للصيد والحراسة وكانت رفيقاً مقرباً من الإنسان.