مقالات/الرواشين: فن معماري يزين واجهات المباني الحجازية

الرواشين: فن معماري يزين واجهات المباني الحجازية

The exquisite beauty of Rawashen Al-Hijaz

٢٠ يونيو ٢٠٢٠

Source

المصدر: عبير العمودي

قد تعيدك رائحة ما لذكريات مضى عليها سنوات، وقد تعيدك أغنية لتفاصيل ذلك الزمن الذي اعتقدت أنه لم يعد يسكنك، ولكن عندما تسمعها تستيقظ كل تلك الذكريات لتعانق روحك وحاضرك وماضيك، وهذا ما نلمسه عند مشاهدة رواشين جدة القديمة والتي تأخذنا في جولة عبر الماضي الجميل الممزوج برائحة اللبان المختلطة مع البخور، فتتخيل أصوات العائلة وهي تتسلل من فتحات الرواشين، وجلسة والدك وهو يقرأ القرآن بجانبها، روح والدتك وهي تقف أمامها تنظر لتفاصيل الشارع.

تلك الأخشاب التي بنيت بإتقان مطلق وسميت بـالرواشين لازالت حتى اليوم تقف بشموخ على مباني جدة التاريخية كشاهد على روعة وإتقان الطراز المعماري في تلك الحقبة، للمزيد عن جدة التاريخية اضغط هنا.

معنى الرواشين

جاءت تسمية روشان تعريباً لكلمة رازونه: روزنه، ومعناها بالفارسية الفتحة في سقف البيت أو الغرفة التي ينفذ منها الضوء كالشرفة، ومع الوقت أطلق أهالي المنطقة اسم الروشان على تصاميم الألواح الخشبية البارزة والتي استخدمت لتغطية النوافذ والفتحات الخارجية وجمعها رواشين.

صناعة الرواشين

تعد صناعة الرواشين من الحرف التراثية التي أبدع فيها أهل الحجاز والتي توارثوها أباً عن جد في أواخر القرن السادس الهجري أي منذ العصر العباسي لتزدهر في العصر العثماني وتبقى شامخة إلى يومنا هذا في مباني مدن الحجاز عموماً ومنطقة "جدة التاريخية" خاصة، والرواشين لم يتم تصنيعها كديكور ساحر للمنازل فقط، بل بُنيت بطريقة ذكية لتعمل كبراد لتبريد أوعية الشرب الفخارية وصنعت بطريقة تحمي البيوت من الغبار والمطر والشمس والذباب والحشرات، كما صممت بطريقة تعزل المنزل عن البيئة المحيطة مع السماح لخيوط الشمس الدخول للمنزل وإنارته بطريقة خلابة تحيي المنزل خلال ساعات النهار.

وتتميز ''رواشين'' الحجاز عن مثيلاتها المنتشرة في العالم الإسلامي بأنها متراصة وأكثر ارتفاعا وأكبر حجما لتخلق بتصميمها جمال يميز بيوت جدة والمدينة ومكة وهي تطل على الممرات والشوارع، وتثبت بإبداعها مدى قدرة النجارين في ذلك الوقت على الإبداع في صناعتها وهي تستند على دعائم ناتئة ''كوابل'' من الخشب وقد زينتها طريقة نحت القطع الخشبية لقطع متشابكة "الطنف والأفاريز" وصنعت مصاريع النوافذ بشيش يتألف من ستائر شبكية صغيرة.

 والغالب في تصاميم الرواشين بجدة هو بروزها عن الجدار على هيئة صندوق يمتد من الطابق العلوي للمنزل حتى قاعدته أو أساساته في الدور الأرضي، ويُركب في معظم الحالات على إحدى جانبي المدخل بشكل متناسق وفي قطاعه الأدنى ثمة فتحات مستطيلة أو مقوسة محشوة بمصبعات من الحديد المزخرف، أما الأدوار العليا فثمة قطاعات مُستطيلة الشكل فوق الفتحات وتحتها. مع مرور الوقت والسنوات لم تكتفي منازل جدة بالرواشين بل وصلت بجمالها إلى القصور والمباني الحكومية والمستشفيات، بسبب فعاليتها الرائعة لخلق بيئة داخلية مريحة بالرغم من ارتفاع درجات الحرارة الشديدة.

وكانت الرواشين قديماً تأتي جاهزة ومبنية من الهند وساحل أفريقيا الشرقي، والملايو، وكانت مخرمة على شكل نقوش وأزهار، لكن مع مرور الوقت أبدع النجارون في الحجاز بصناعتها لتصبح صناعة محلية متقنة حققت روعة التصميم وضمنت الخصوصية التي تهم كل عائلة داخل المبنى حيث تتيح لأهل البيت رؤية ما هو خارج المنزل ولا تسمح للمارة برؤية داخل المبنى بسبب وجود الفتحات الصغيرة، بالإضافة إلى الخاصية الجمالية التي تضفيها الرواشين على المباني السكنية مما أكسب الشوارع والمدن قيمة جمالية.