مقالات/القهوة العربية عبق الماضي ورمز الكرم

القهوة العربية عبق الماضي ورمز الكرم

The historical importance of Arabic Coffee

١٧ نوفمبر ٢٠١٩

Source

المصدر: آلاء البحراني

ما أن تفوح رائحة الهيل وتعم هي والبخور المكان، حتى تُدرك أنك حللت ضيفاً في بيت سعودي أصيل، إذ تسبق الرائحة الزكية ترحيب المُضيف في دلالة على استعداده المسبق للضيافة. وما أن تبدأ جلسة السمر حتى يصلك فنجان "الكيف" والتمر السكري ليأخذك المذاق الفريد في رحلة عبر الزمن تعيدك إلى حياة الأجداد.

احتلت القهوة العربية مكانة خاصة في المجتمع السعودي، فهي أهم عناصر الضيافة السعودية إذ تكاد لا تخلو أي مناسبة منها لإرتباطها بالعادات والتقاليد، لا سيما عند البدو حيث تُعتبر رمزاً من رموز الجود والكرم. إذ يفاخرون بطرق إعدادها وتقديمها. ويعقد الرجال المجالس الخاصة فتتصدرها القهوة والتي تسمى بـ "الشبّة" أو "القهوة" أو "الديوانية". ويرافق القهوة العربية دائماً التمر الذي ظل ملازماً لها حتى في وقتنا الحاضر. وتخليداً لمكانتها الثقافية أدرجت منظمة اليونسكو القهوة العربية ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عام 2015.

مسميات القهوة وأنواعها

عَرفت خُطوات تقديم القهوة قديماً مسميات محددة اندثرت اليوم، وارتبطت دلالاتها القديمة بالتراث المحلي، فمثلاً يُطلق اسم فنجان "الهيف" على الفنجان الذي يشربه المُضيف أمام ضيوفه قبل التقديم لإثبات سلامة القهوة. أما فنجان "الكيف" فهو فنجان يحتسيه الضيف متلذذاً بطعم القهوة ويتبعه فنجان "الضيف" الذي يرمز للكرم ومكانة الضيف، ثم فنجان "السيف" الذي باحتساءه يتعاهد الضيف والمضيف على التآزر في الشدائد.

دخول القهوة إلى لجزيرة العربية 

أول من عرف القهوة العربية في الجزيرة العربية هم أهل اليمن، عندما أتى بها الرحالة العدني جمال الدين أبوعبدالله الذبحاني من الحبشة خلال القرن الخامس عشر. ومنذ ذلك التاريخ شرع الفلاحون في زراعة البن واحتكر احتساءها بدايةً أفراد الطبقة البرجوازية.

ولاحقاً جلب التجار اليمنيون البن إلى السعودية فأصبح تقديم القهوة عادة في كافة مناطقها. إلا أن الانتشار الحالي للقهوة سبقه امتناع من بعض الأهالي في السابق إذ ارتبط تقديم القهوة بالمجالس، فغلب الظن بأنها تُلهي عن العبادة والإستغفار ووصل الأمر ببعض رجال الدين بأنهم اعتبروها من المسكرات.

آلية اختيار البن وصناعة القهوة

للسعوديين طقوس خاصة في اختيار البن المخصص للقهوة العربية وتختلف درجات تحميصه من منطقة لأخرى، فهناك البن الهرري والقطمي والبرية وأشهرهم هو البن الأشقر. ويبدأ تحضير القهوة بإضافة البن إلى الماء وغليه على نار هادئة لمدة عشر دقائق، ويضاف حينها البهارات بحسب الذوق كالقرفة والزنجبيل والزعفران. وبعد ذلك تُسكب القهوة في الدلة ويضاف إليها المقدار المناسب من الهيل، ولا تقدم القهوة مباشرة بل تترك حتى تمتزج المكونات. 

وتمتاز كل منطقة في السعودية بطريقة صُنع مميزة للقهوة. فقهوة منطقة نجد يُضاف إليها الهيل والزعفران أما أهل الجنوب فيضيفون إلى المكونين السابقين القرنفل والزنجبيل والقرفة. ويمزج أهل حائل البن مع الهيل والزعفران والقرنفل، فيما يكتفي سكان المنطقة الغربية بالبن والهيل فقط. ويبتكر اليوم عُشاق القهوة العربية طرقاً مستحدثة لصناعتها فبعضهم يضيف إليها الحليب أو مبيض القهوة. وكانت القهوة قديماً تُحضر على الحطب وتطورت وسائل تحضيرها اليوم فاختُرعت لها دلة كهربائية وخلطة تحضير فورية.  

عادات صب القهوة وطقوسها

للقهوة العربية تقاليد وطقوس مميزة في تقديمها إذ يجب أن تُمسك دلة القهوة وتُصب باليد اليسرى ويُقدم الفنجان للضيف باليد اليمنى. ويبدأ "صب القهوة" من الجهة اليمين من المجلس أو بدءاً من الأكبر سناً. والمتعارف عليه تكرار المُضيف للصب حتى يقول الضيف "بس" أو يهز فنجانه، ومن يخالف هذه العادات يواجه إستنكاراً شديداً من قبل ضيوف المجلس. وفي بعض القبائل يُملأ الفنجان للربع والبعض إلى النصف فيما تفضل بعض القبائل تقديم الفنجان مملوءاً. ولا يُقبل تقديم القهوة في فنجان مخدوش لأنها تُعتبر إهانة للضيف.